السرخسي

127

المبسوط

ونوع لا يجوز حفظها وهو أن يحلف على ترك طاعة أو فعل معصية لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف أن يطيع الله فليطعه ومن حلف أن يعصى الله فلا يعصه ونوع يتخير فيه بين البر والحنث والحنث خير من البر فيندب فيه إلى الحنث لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين ورأي غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر وأدنى درجات الامر الندب ونوع يستوي فيه البر والحنث في الإباحة فيتخير بينهما وحفظ اليمين أولى بظاهر قوله تعالى واحفظوا أيمانكم وحفظ اليمين يكون بالبر بعد وجودها فعرفنا أن المراد حفظ البر ومن حنث في هذا اليمين فعليه الكفارة كما قال الله تعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين ويتخير بين الطعام والكسوة والاعتاق للتنصيص على حرف أو ولان البداية بالأخف والختم بالأغلظ إشارة إلى ذلك لأنها لو كانت مرتبة كانت البداية بالأغلظ والتي لا تكفر اليمين الغموس وهي المعقودة على أمر في الماضي أو الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك وهذه لبست بيمين حقيقة لان اليمين عقد مشروع وهذه كبيرة محضة والكبيرة ضد المشروع ولكن سماه يمينا مجازا لان ارتكاب هذه الكبيرة لاستعمال صورة اليمين كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الحر بيعا مجازا لان ارتكاب تلك الكبيرة لاستعمال صورة البيع ثم لا ينعقد هذا اليمين فيما هو حكمه في الدنيا عندنا ولكنها توجب التوبة والاستغفار وعند الشافعي رحمه الله تعالى تنعقد موجبة للكفارة فمن أصله محل اليمين نفس الخبر وشرط انعقادها القصد الصحيح وعندنا محل اليمين خبر فيه رجاء الصدق لأنها تنعقد موجبة للبر ثم الكفارة خلف عنه عند فوت البر فالخبر الذي لا يتصور فيه الصدق لا يكون محلا لليمين والعقد لا ينعقد بدون محله وحجته قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم فالله أثبت المؤاخذة في اليمين المكسوبة واليمين الغموس بهذه الصفة لأنها بالقلب مقصودة ثم فسر هذه المؤاخذة بالكفارة في قوله بما عقدتم الايمان معناه بما قصدتم والعقد هو القصد ومنه سميت النية عقيدة وأوجب الكفارة موصولة باليمين بقوله فكفارته لان الفاء للوصل وقال في آخر الآية ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والكفارة بنفس الحلف إنما تجب بالغموس والمراد بقوله واحفظوا أيمانكم الامتناع من الحلف فان بعد الحلف إنما يتصور حفظ البر وحفظ اليمين يذكر لمعنى الامتناع قال القائل